أحمد بن محمود السيواسي
262
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 56 ] يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ( 56 ) قوله ( يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا ) بفتح الياء وسكونها « 1 » ، نزل فيمن كان يؤذى بمكة ويخشى الجوع إن خرج منها فضاقت عليه « 2 » ، أي اخرجوا فاني رازقكم حيث كنتم أو إذا عمل بالمعاصي في أرض ولا تستطيعون « 3 » منعها أو أمرتم بفعلها فاهربوا منها ( إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ) [ 56 ] أي فإن لم تتمكنوا من العبادة بكثرة المعاصي بأرض فاعبدوني بغيرها « 4 » ، قيل : يجب على كل من كان بأرض يعمل فيها بالمعاصي ولا يقدر على تغييرها أن يهاجر إلى حيث يتهيأ له العبادة « 5 » ، فالفاء في « فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ » جواب شرط محذوف كما قدرناه ، ثم حذف الشرط وعوض من حذفه تقديم المفعول مع إفادته معنى الاختصاص ، وأدخل الفاء الذي كان في الشرط في هذا المفعول المقدم ، وأما الفاء الذي كان في الجزاء فمقدرة في الجزاء العامل في « إياي » ، والفاء الثالث لتكرير الجزاء ، تقديره : فإياي فاعبدوا فاعبدون . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 57 ] كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ ( 57 ) قوله ( كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ) نزل حين كانوا يخافون على أنفسهم بالخروج « 6 » ، أي هاجروا ولا تخافوا من الموت فان الموت ملاقيكم أينما كنتم ( ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ ) [ 57 ] بالياء والتاء « 7 » ، فهذا تشجيع للمهاجر عن بلده بعد الأمر له بالحرص على العبادة وطلبه لها أوفق البلاد ، أي كل نفس واجدة مرارة الموت وكربه البتة كما يجد الذائق طعم المذوق ، فهي إذا تيقنت الموت سهل عليها مفارقة وطنها ، فالواجب عليه التزود والاستعداد للوصول إلى الجزاء . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 58 ] وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ( 58 ) ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) أي الخيرات ، ومنها الهجرة لأنها كانت فريضة في ذلك الوقت ( لَنُبَوِّئَنَّهُمْ ) بالباء ، أي لننزلنهم من التبوئة وهي النزول ، وقرئ بالثاء « لنثوئنهم » « 8 » ، إفعال من الثواء وهو الإقامة ، وثوى إذا تعدى بهمزة النقل يتعدى إلى مفعول واحد ، وهنا تعدى إلى ضمير المؤمنين وإلى الغرف حملا على ننزلنهم « 9 » أو على « لَنُبَوِّئَنَّهُمْ » أو على حذف الجار وإيصال الفعل ، أي إلى الغرف ، يعني لننزلنهم ( مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ) [ 58 ] أي ثوابهم . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 59 ] الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 59 ) ( الَّذِينَ صَبَرُوا ) أي هم الذين صبروا على الشدائد ومفارقة الأوطان للدين وأذى المشركين ( وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) [ 59 ] في الرزق وغيره . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 60 ] وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 60 ) قوله ( وَكَأَيِّنْ ) رفع على الابتداء ، أي وكم ( مِنْ دَابَّةٍ ) يعني من حيوان يدب في الأرض ومن طير في الهواء
--> ( 1 ) « يا عِبادِيَ » : قرأ البصريان والأخوان وخلف باسكان الياء في الحالين ، والباقون بفتحها وصلا وإسكانها وقفا . البدور الزاهرة ، 246 . ( 2 ) عن مقاتل والكلبي ، انظر البغوي ، 4 / 383 . ( 3 ) ولا تستطيعون ، و : ولا يستطيعون ، ح ي . ( 4 ) أي فإن لم تتمكنوا من العبادة بكثرة المعاصي بأرض فاعبدوني بغيرها ، وي : أي فإن لم يتمكنوا من العبادة بأرض بكثرة المعاصي فاعبدوني بغيرها ، ح . ( 5 ) نقل المفسر هذا الرأي عن البغوي ، 4 / 383 . ( 6 ) أخذه عن السمرقندي ، 2 / 542 . ( 7 ) « ترجعون » : قرأ شعبة بياء الغيبة ، وغيره بتاء الخطاب ، ويعقوب بفتح التاء وكسر الجيم ، وغيره بضم الياء أو التاء وفتح الجيم . البدور الزاهرة ، 246 . ( 8 ) « لنبوئنهم » : قرأ الأخوان وخلف بثاء مثلثة ساكنة بعد النون وتخفيف الواو وبعدها ياء تحتية مفتوحة ، والباقون بباء موحدة في مكان التاء وتشديد الواو وبعدها همزة مفتوحة ، وأبدل أبو جعفر همزه ياء مفتوحة مطلقا . البدور الزاهرة ، 246 . ( 9 ) ننزلنهم ، وي : لننزلنهم ، ح .